يشهد الساحل الشمالي المصري، المعروف محليًا باسم «الساحل»، تحولًا لافتًا من وجهة صيفية عائلية هادئة إلى مركز اقتصادي وسياحي واستثماري متكامل. ويرصد تقرير فاست كومباني هذا التحول، الذي تقوده مشروعات البنية التحتية والاستثمارات العقارية والسياحية الضخمة، في وقت يتجه فيه الساحل إلى لعب دور أكبر في الاقتصاد المصري خلال السنوات المقبلة.

 

ويستعرض فاست كومباني الشرق الأوسط كيف تغيرت طبيعة الساحل الشمالي خلال العقد الأخير، بعدما كان يضم منتجعات بسيطة موجهة للعائلات، يقضي فيها المصطافون الصباح على الشاطئ والأمسيات في هدوء داخل منازلهم، بينما أصبح اليوم منطقة تضم شبكات طرق واسعة، ومشروعات سكنية فاخرة، ومطاعم راقية، وحياة ليلية نشطة، ومشروعات استثمارية بمليارات الدولارات.

 

من «الساحل الهادئ» إلى وجهة استثمارية ضخمة

 

قاد تطوير البنية التحتية الحكومية هذا التحول بقوة، مع إنشاء شبكات طرق متعددة الحارات، وتوسعة البنية التحتية للطيران عبر مطاري العلمين الدولي وبرج العرب، إلى جانب إطلاق مشروعات ضخمة، أبرزها مدينة العلمين الجديدة عام 2018، ووجهات فاخرة مثل مراسي وهاسيندا باي.

 

وظهر بين السكان المحليين تقسيم جديد للساحل إلى ما يسمونه «الساحل الجيد» و«الساحل الشرير»، في إشارة إلى المناطق شديدة الخصوصية التي تضم مجمعات سكنية فاخرة بمليارات الدولارات، ومطاعم راقية، وحياة ليلية مكثفة، وتدفقًا هائلًا للثروات.

 

وشجع هذا التحول مطورين ومستثمرين إقليميين ودوليين، خصوصًا من دول الخليج، على دخول السوق المصرية. وفي مقدمة هذه الاستثمارات، حصلت شركة «إيه دي كيو» الإماراتية على حقوق تطوير منطقة رأس الحكمة عام 2024، لإقامة مدينة عالمية مخططة وفق أحدث المعايير تستهدف جذب السياحة الدولية مباشرة إلى البحر المتوسط.

 

وأطلق هذا التحول نقاشًا واسعًا حول قدرة منطقة كانت حتى وقت قريب وجهة عائلية هادئة على التحول إلى أحد أسرع محركات النمو الاقتصادي في مصر.

 

تدفق الاستثمارات يغير خريطة الساحل

 

تقول علياء العيساكي، كبيرة مديري الأبحاث لمنطقتي الإمارات ومصر في «نايت فرانك»، إن نظرة المستثمرين إلى الساحل الشمالي المصري شهدت نضجًا وليس مجرد نمو، موضحة أن رؤوس الأموال الخليجية كانت تركز سابقًا بصورة أساسية على الاستثمارات السكنية والفرص قصيرة الأجل، قبل أن تتحول إلى مشروعات استراتيجية طويلة الأجل.

 

ومنذ عام 2021، تعهدت حكومات دول مجلس التعاون الخليجي باستثمارات تصل إلى 59.5 مليار دولار في مصر، بينما تبلغ قيمة المشروعات الإنشائية المسندة في البلاد نحو 120 مليار دولار، مع وجود مشروعات أخرى بقيمة 565.5 مليار دولار ضمن خطط التنفيذ المستقبلية. وترى العيساكي أن هذه الأرقام تضع مصر في المرتبة الثالثة بين أكبر أسواق الإنشاءات في المنطقة بعد السعودية والإمارات.

 

ولا يزال القطاع السكني يمثل محور الطلب الاستثماري، لكن العيساكي ترى أن اهتمام المستثمرين أصبح أكثر تنوعًا، مع تزايد الإقبال على الوجهات المتكاملة التي تجمع بين الوحدات السكنية والفنادق والمساكن ذات العلامات التجارية ومتاجر التجزئة والترفيه والمراسي والبنية التحتية.

 

وتقول إن هذا التوجه يظهر بصورة واضحة في الساحل الشمالي، حيث تساعد مشروعات كبرى مثل رأس الحكمة على نقل السوق من وجهة موسمية يغلب عليها استخدام المنازل الثانية إلى مركز أوسع للسياحة والاستثمار.

 

وترى العيساكي أن ارتفاع الاستثمارات يرتبط بدرجة كبيرة بعامل القيمة. فعلى الرغم من أن المساكن ذات العلامات التجارية في مصر تُباع بمتوسط سعر أعلى بنحو 73% من الوحدات غير المرتبطة بعلامات تجارية، مقارنة بمتوسط عالمي يتراوح بين 35 و40%، تظل أسعار الدخول المطلقة أقل بكثير من نظيراتها في العديد من الأسواق الساحلية والحضرية المماثلة في المنطقة.

 

وتضيف أن اجتماع الجاذبية الثقافية والإصلاحات التنظيمية والأسعار النسبية المناسبة وتطوير الوجهات على نطاق واسع يدعم استمرار زخم الاستثمار، مع انتقال الساحل الشمالي إلى ما هو أبعد من مرحلته السابقة التي اتسمت بدرجة أكبر من المضاربة.

 

ويقول علي جابر، نائب الرئيس للشؤون التجارية في شركة «نيو بلان للتطوير»، إن تحول الساحل الشمالي المصري جاء نتيجة مزيج من تطوير البنية التحتية الاستراتيجية، وتغير سلوك المستهلكين، والتحول الكبير في الرؤية المستقبلية للمنطقة.

 

ويوضح أن مشروعات البنية التحتية واسعة النطاق، بما فيها تحسين شبكات الطرق وإنشاء المدن الجديدة وتعزيز الاتصال، رفعت مستوى سهولة الوصول إلى الساحل الشمالي بصورة كبيرة، ورسخت مكانته كوجهة قابلة للحياة على مدار العام.

 

كما انتقل المطورون العقاريون إلى ما هو أبعد من نموذج بيوت العطلات التقليدي، وبدأوا في تطوير مجتمعات متكاملة تجمع بين السكن والضيافة والتجارة والترفيه ونمط الحياة.

 

ويعكس هذا التطور تغيرًا أوسع في سوق العقارات المصري، إذ يبحث المشترون بصورة متزايدة عن جودة الحياة والقيمة الاستثمارية والوجهات التي توفر تجربة متكاملة بدلًا من الاستخدام الموسمي فقط.

 

ويشير جابر إلى تحول نظرة المستثمرين إلى الساحل الشمالي من سوق عقارية موسمية إلى فرصة استثمارية استراتيجية طويلة الأجل.

 

ويجذب الساحل المستثمرين المحليين والدوليين بفضل عدة عوامل، من بينها ندرة الأراضي الساحلية المتميزة، ونمو قطاع السياحة المصري، وارتفاع الطلب على المنازل الثانية والضيافة الفاخرة، إلى جانب فرصة المشاركة في تطوير ممر اقتصادي جديد.

 

واستفاد السوق كذلك من توجه المطورين إلى تطبيق معايير دولية في التصميم والخدمات وإدارة المجتمعات السكنية، ما عزز مكانة الساحل الشمالي وجاذبيته أمام قاعدة أوسع من المستثمرين، بما في ذلك المصريون المقيمون في الخارج والمستثمرون الإقليميون.

 

الساحل الشمالي يتجاوز فكرة «المصيف»

 

يقول نيكولاس ماير، الشريك الرئيسي في قسم استشارات الوجهات لدى «بي دبليو سي الشرق الأوسط»، إن أكبر اعتقاد خاطئ بشأن الساحل الشمالي المصري يتمثل في النظر إليه باعتباره قصة سياحية بالأساس، موضحًا أن ما يحدث حاليًا يمثل نشوء جغرافيا اقتصادية جديدة لمصر، تلعب السياحة فيها دور المحفز وليس الهدف النهائي.

 

ويرى ماير أن مستقبل الساحل الشمالي سيتحدد بصورة متزايدة بعدد الأشخاص الذين يختارون بناء جزء من حياتهم هناك، وليس بعدد المصطافين الذين يقضون عطلاتهم فيه.

 

ويشرح أن العديد من المشروعات الساحلية صُممت تاريخيًا لاستقبال الزوار خلال مواسم محددة، بينما تتحول مشروعات الساحل الشمالي حاليًا إلى وجهات متكاملة تجمع بين الضيافة والسكن والتجزئة والترفيه والأعمال والخدمات العامة.

 

وينقل هذا التحول النموذج الاقتصادي من نشاط موسمي يعتمد على الزوار إلى نشاط اقتصادي يمتد على مدار العام، تقوده الأسر والمقيمون والشركات والمستثمرون.

 

ويلفت ماير إلى تأثير هذه المشروعات على سوق العمل، مشيرًا إلى أن المنطقة لا تزال في مرحلة مبكرة من رحلة تطورها، وأن جزءًا كبيرًا من تأثيرها الاقتصادي يتولد حاليًا خلال مرحلة الإنشاء، عبر أعمال البناء وتطوير البنية التحتية والهندسة والخدمات المهنية وسلاسل الإمداد الواسعة.

 

لكنه يوضح أن الوظائف الأكثر أهمية ستظهر بعد تشغيل هذه الوجهات، وليس خلال مرحلة البناء، إذ سيتحول الطلب على العمالة تدريجيًا نحو قطاعات الضيافة والترفيه وتجارة التجزئة والرعاية الصحية والتعليم والخدمات المهنية والقطاعات كثيفة المعرفة.

 

ويقول ماير إن قطاع البناء يستطيع إنشاء الوجهات، لكن المواهب البشرية وحدها تستطيع بناء الاقتصادات.

 

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة إلى مصر، التي تتمتع بقوة عاملة كبيرة ومتعلمة ومتعددة اللغات. ويتزايد الاعتراف بالبلاد باعتبارها وجهة لخدمات التعهيد والخدمات الرقمية، مدفوعة بقاعدة واسعة من المواهب ونظام تكنولوجي سريع النمو.

 

ويرى ماير أن المكسب الحقيقي لا يكمن في مجرد خلق الوظائف، وإنما في توفير بيئة تدعم نمو الوظائف الأعلى قيمة على المدى الطويل.

 

ومن جانبه، يتحدث جابر عن تأثير العمل عن بُعد وتغير أنماط الحياة في تسريع الطلب على الوجهات التي تجمع بين العمل والترفيه وجودة الحياة.

 

ويضيف أن تحسن البنية التحتية والاتصال جعل الوصول إلى الساحل الشمالي واستخدامه أسهل بالنسبة إلى السكان والزوار خارج الموسم الصيفي التقليدي.

 

تحديات تحول الساحل إلى اقتصاد يعمل طوال العام

 

يتناول ماير التحديات التي قد تحد من قدرة الساحل الشمالي على تحقيق نمو مستدام على مدار العام، والتغييرات المطلوبة للتغلب عليها.

 

ويقول إن التحدي يكمن في إنشاء وجهة تدفع الناس إلى التفاعل معها بعد انتهاء موسم الذروة بفترة طويلة، موضحًا أن أشعة الشمس تستطيع جذب الزوار، لكن الأهمية المستمرة هي التي تبقي الوجهات حية.

 

وكما هي الحال مع أي وجهة ناشئة، سيعتمد الحفاظ على النمو طوال العام على استمرار الاستثمارات وتنويع مصادر الطلب وتطوير البنية التحتية والخدمات الداعمة.

 

ويتمتع الساحل الشمالي بالفعل بمزايا هيكلية تساعده على تحقيق ذلك، إذ يسمح المناخ بموسم تشغيل طويل نسبيًا وفق المعايير الدولية، كما يوفر قربه من أوروبا ودول مجلس التعاون الخليجي والأسواق الإقليمية المحيطة إمكانية الوصول إلى شرائح متعددة من الزوار على مدار العام.

 

ويقول ماير إن الطلب موجود بالفعل، لكن السؤال يتمثل في مدى تنوع هذا الطلب.

 

ولا تتنافس أنجح الوجهات السياحية في العالم حاليًا من خلال الشواطئ أو الفنادق أو الطقس وحدها، بل تتنافس عبر قدرتها على تقديم تجارب ذات صلة باهتمامات الزوار، مثل الثقافة والفعاليات والتعليم والعافية والترفيه وفرص التواصل مع المجتمعات المحلية.

 

وسيعتمد نجاح الساحل الشمالي على المدى الطويل على قدرته على بناء أجندة غنية من التجارب تمتد إلى ما هو أبعد من السياحة التقليدية القائمة على الشمس والبحر.

 

وفي الوقت نفسه، يشدد ماير على أهمية المقومات الأساسية للحياة على مدار العام، ومنها المدارس والجامعات ومرافق الرعاية الصحية ووسائل النقل والبنية التحتية الرقمية والخدمات العامة، وهي عناصر تستطيع تحويل الوجهة السياحية إلى مجتمع متكامل.

 

ويعكس تركيز مدينة العلمين الجديدة على الجامعات ومرافق الرعاية الصحية والخدمات المتكاملة هذا التوجه.

 

ويقول ماير إن الوجهات تصبح أكثر قدرة على الصمود عندما تتحول من أماكن يزورها الناس إلى أماكن يشعرون بأنها تنتمي إليهم.

 

مستقبل واعد للساحل الشمالي

 

تسلط العيساكي الضوء على قدرة الساحل الشمالي على التحول إلى مركز رئيسي على البحر المتوسط، في ظل حجم الاستثمارات الجاري تنفيذها بالفعل.

 

وتستند منطقة رأس الحكمة وحدها إلى مشروع ضخم تقوده شركة «إيه دي كيو» بقيمة 35 مليار دولار وعلى مساحة 170 كيلومترًا مربعًا، إلى جانب مشروع «علم الروم» التابع لشركة الديار القطرية بقيمة 29.7 مليار دولار.

 

وتعد هذه المشروعات من بين أكبر التزامات التطوير العقاري الخاصة في المنطقة.

 

وتستهدف مشروعات البنية التحتية الداعمة، ومنها طريق فوكا وخط قطار جديد عالي السرعة، تحويل الساحل الذي ارتبط تاريخيًا بالموسم الصيفي إلى وجهة متصلة بالعالم وتعمل على مدار العام.

 

وتشير العيساكي إلى أن تحديد الحكومة عام 2028 باعتباره محطة مهمة في تحول رأس الحكمة إلى مركز سياحي عالمي يعزز هذا الاتجاه.

 

وتقول إنه إذا تزامن مستوى الاستثمار الحالي مع سرعة مناسبة في التنفيذ وإدارة فعالة للوجهات، فقد يرسخ الساحل الشمالي مكانته كمركز رئيسي للسياحة والضيافة والعقارات على البحر المتوسط بحلول نهاية العقد.

 

ويرى جابر بدوره أن الساحل الشمالي قد يتحول بحلول عام 2030 إلى واحدة من أبرز الوجهات على البحر المتوسط، من خلال الجمع بين السياحة والاستثمار ونمط الحياة والابتكار.

 

ويؤكد أن المنطقة تمتلك جميع المقومات الأساسية اللازمة لهذا التحول، من الموارد الطبيعية الاستثنائية والموقع الجغرافي الاستراتيجي إلى الدعم الحكومي والمشاركة القوية للقطاع الخاص وتزايد الطلب من الأسواق المحلية والدولية.

 

أما ماير، فيرى أن إمكانات المنطقة تتجاوز قطاع السياحة، لتصبح محركًا مهمًا لتنويع الاقتصاد المصري.

 

fastcompanyme.com/impact/the-new-sahel-how-egypts-north-coast-is-being-rebuilt-for-a-new-economy/